الشيخ عبد الشهيد مهدي الستراوي

254

القرآن نهج و حضارة

الأفكار إلى أذهانهم . إنه قصّ عليهم تلك القصص التي تتحدث عن أخبار الرسل ، والأنبياء السابقين ، والأمم الغابرة . وكان ذلك أيضا ميزة تميزت بها الآيات المكية ولم يكن إلى ذلك سبيل غير الإيجاز في الخطاب ، ولذا جاءت هذه الآيات قصيرة في اللفظ ، كبيرة في المعنى ، بل حتى أن أكثر السور القصار قد نزلت في مكة ، وذلك لكي تكون أبلغ في التأثير . المدينة وقيام الدولة : الحديث عن الآيات المدنية حديث عن المجتمع المدني الذي نزلت فيه هذه الآيات حينما استتب الأمر للنبي ( ص ) ، وأقام صرح الدولة وبناء أنظمتها ، فاختلف الموضوع هنا وجاءت الآيات المدنية متناسبة مع ما صنعه الرسول الأكرم ( ص ) . وكان ذلك الواقع الذي فرض في نفسه المدينة بعد جهد مرير بذله النبي ( ص ) وأصحابه بحاجة إلى بيان التصورات القرآنية لوضع أسس وبرامج لذلك المجتمع ، ومعالجة مشاكله مع التجمعات الأخرى ، وكيفية العيش معهم ، وحدود تلك العلاقة التي يجب أن تكون . فكانت الآيات النازلة على قلب النبي ( ص ) في المدينة المنورة تتحدث عن دقائق التشريع ، وتفصيلات الشريعة ، وإعطاء الخط العام والقواعد الأساسية لاستنباط القوانين المدنية التي يحتاج إليها الفرد والمجتمع في بناء علاقاته المختلفة . ولم تقتصر على هذا المجال بل راحت تتحدث إلى النبي ( ص ) عن طريق الوحي بأدق التفاصيل في القضايا الاجتماعية - كالحقوق الشخصية والمشاكل الجنائية وغير ذلك مما يختص بالنظام الاجتماعي - ولم تكتف بذلك وإنما أدرجت هذه الأمور تحت ظل نظام له قواعد وركائز تحفظ للناس حقوقهم